عبد الملك الجويني
160
الشامل في أصول الدين
متوقفة على إذن الشريعة ، وربّ معنى يصح ولا يجوز التعبير عنه في صفات الرب . والدليل عليه أن الجود والسخاء يجريان في اللغة مجرى واحدا ، ولكن لما ورد الشرع بتسمية الرب جوادا لم تتحاش منها ، ولا يجوز تسميته سخيا ، وسنبسط القول في ذلك إن شاء اللّه في بعض أبواب التعديل والتجويز . فهذه طريقة لبعض الأئمة . وسلك القاضي طريقة أخرى فقال : لا أتحاشى من إطلاق القول بأن العلم والقدرة مختلفان ، إذ حقيقة الاختلاف تؤول إلى أن أحد الذاتين لا يسد مسد الثاني ، وهذا المعنى يتحقق في العلم والقدرة ، فخرج من ذلك أنا إذا سلكنا سبيل القاضي ، وسألنا عن حقيقة الخلافين أو المثلين ، قلنا : هما الشيئان اللذان يسد أحدهما مسد الآخر ، أو لا يسد مسده على ما قدمناه من الحدين ، ولا نقيد القول بالغيرين . ومن سلك المسلك الأول ، وسئل عن حقيقة المثلين قال : هما كل غيرين يسد أحدهما مسد الآخر ، والخلافان كل غيرين لا يسد أحدهما مسد الآخر . واعلموا أن الكلام فيما ذكرناه يؤول إلى المناقشة في العبارة مع الاتفاق على المعنى . فإن من امتنع عن اطلاق لفظ الخلافين يعترف مع ذلك باختصاص القدرة بصفة لم تثبت للعلم . ومن أطلق لفظ الخلافين اعترف بمنع التغاير ، فرجع التشاجر إلى اللفظ دون المعنى . وأما اليدان فقد أكثر الأئمة فيها مذهب جملة المتقدمين إلى حمل اليدين على القدرة ، فيندفع السؤال على هذه الطريقة ، على ما سيأتي شرحها . وصار شيخنا في بعض أجوبته إلى أن اليدين : صفتان قائمتان للذات ، لا نتوصل بالعقل إلى معرفتهما لولا ورود السمع . قيل له : فهلا حكمت بتماثلهما ؟ قال مجيبا : اليدان ما أثبتا إلا سمعا ، ثم لم يدل السمع على اشتراكهما في جملة الصفات ، فيلزم من ذلك التماثل . وكل صفة سمعية ، فتفصيل القولي فيها موقوف على السمع ، كما يتوقف أصل إثباتها على السمع ، فوضح المقصد من كل ما قلناه . القول في حقيقة الغيرين اعلموا أحسن اللّه إرشادكم ، أن أطراف الكلام في التماثل والاختلاف ترتبط بالغيرية ، ويتصل بها مجاري القول ، فرأينا ذكر حقيقة الغيرين هاهنا ؛ وإن جرى رسم الأئمة بذكرها في الصفات .